صنعاء وفن العمارة ،،

صنعاء وفن العمارة ،،

تحف جمالية ظلت محتفظة بطابعها المعماري الفريد وإتقانها الهندسي المميز، لم يخدعها بريق المدينة الحديثة، ولم تنجر وراءها، بل تمسكت بخصوصيتها كلوحات فنية بديعة تحكي للأجيال الحالية والقادمة.. كيف كان عليه حال الآباء والأجداد، وكيف كانوا يشيدون بيوتهم.

إنها بيوت العاصمة اليمنية صنعاء الشاهقة. لواجهات الخارجية لتلك المنازل تعد لوحة فنية رسمها البناء اليمني بإتقان، وهي بخصوصيتها الفريدة تلخص تاريخ حضارة معمارية فريدة، كما يقول المهندس أحمد السياني، الذي يرى أن الحضارة اليمنية في الأصل هي حضارة بناء وتشييد.

وما السدود والمدرجات الزراعية والقصور القديمة للدول المتعاقبة عبر مختلف الحقب، إلا التجلي الواضح لطبيعة الحضارة اليمنية العريقة، التي راكمت تقاليد وفنونا معمارية توارثها اليمنيون ولذا من الطبيعي أن تكتسي منازل صنعاء بهذه الحلل القشيبة التي تنضح بها البيوت المبنية بالآجور الأحمر المنمق بالبياض الناصع للجبس.

ويستطرد السياني قائلا مثلما البيت الصنعاني من الخارج له جمالياته المميزة، فإنه يجمع من الداخل بين القيم الفنية والجمالية الأخاذة وكذا توفير الأغراض الإيوائية والانتفاعية الملبية لطبيعة الأنشطة للأسرة اليمنية التي هي في الغالب الأعم أسرة ممتدة ولهذا تميز البيت اليمني القديم عامة والصنعاني خاصة بطوله وتعدد طبقاته وغرفه ومخازنه وإسطبلاته .

ويتراوح عدد طبقات الدار بين ثلاثة إلى ستة طوابق وفي بعض الحالات يصل إلى ثماني أو تسع طبقات تبعا لمكانة مالكه ووضعه الاجتماعي والسياسي وأحيانا الاقتصادي. كما يحرص صاحب المنزل على تأمين الحاجات والأغراض الأسرية، لأن الأسرة الواحدة كانت تتعايش مع بعضها البعض ولذلك شيدت دور صنعاء القديمة كي تلبي حاجة الأسرة الممتدة التي تضم عادة الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد.

وحسب المهندس السياني، فإن البيت اليمني القديم جمع بين تأمين الراحة والفخامة كما يتضح من تقسيمه، فالتقسيم الداخلي للمنزل اليمني القديم يكاد يكون موحدا حتى يلبي حاجات الأسرة ورفاهيتها لاسيما في المنزل الصنعاني الذي يتميز بنمط فني رفيع يعود لما كان عليه حال سكان صنعاء من رفاهية ودعة وسكينة .

باعتبارها ظلت على الدوام حاضرة اليمن ومركز نشاطها التجاري والاقتصادي والسياسي ولهذا تميزت بيوتها بلمسات جمالية فريدة أضفت عليها رونقا وبهاء جماليا يلفت الأبصار ويخبر عن مكانة صاحبه ووضعه الاجتماعي.

فالمنازل متشابهة إلى درجة كبيرة في تقسيماتها وتخطيطها ومن حيث وظيفة كل طابق فيها فالدور السفلي يخصص عادة لخزن المؤن في جهة منه ويسمى المخزن والجهة الأخرى اسطبلات للماشية، ويطلق عليه «السفل».

والدور الأول فيه غرف الأبناء أو الأحفاد الكبار الذين باتوا ينعزلون وحدهم، وهناك صالة كبيرة للمناسبات تسمى الديوان أما الدور الثاني فهو مخصص للمتزوجين في الأسرة هم وزوجاتهم وأطفالهم الصغار والأدوار العليا بعضها خاصة باستقبال وجلوس النساء أما الدور الأخير .

فيخصص لاستقبال وجلوس الرجال ويكون فيه المجلس الخاص بهم، وهو عبارة عن غرفة كبيرة مستطيلة نوافذها واسعة مطلة على مناظر خلابة كالبساتين وتصمم تلك النوافذ بطريقة خاصة لا تعلو على مستوى الجلوس إلا قليلا حتى يتمكن الجالس من التمتع بالمناظر التي يطل عليها المنزل كما تزين أسقف ورفوف تلك (المفارج) بالحفر على الجبس.

فيما يعلو النافذة عقد نصف دائري من الجبس يسمى «القمرية»، منقوش عليها رسوم مختلفة من الزجاج المعشق الملون مما يضفي على المكان الداخلي لمسات جمالية تعطي البيت الصنعاني خصوصية فريدة لا مثيل لها في كل البلدان بما فيه البلدان الإسلامية.

وتمتد صنعاء القديمة على مساحة تقدر بنحو 25 كيلومتراً مربعاً وعلى هذه المساحة يتوزع 14 ألف منزل متجاورة ومتلاصقة يتخللها بساتين ويضمها سور يمتد بطول 6200 متر وارتفاع 8 أمتار. يلف المدينة بشكل متعرج آخذا شكل الرقم 8 باللغة الإنجليزية وكانت اليونسكو أدرجت المدينة عام 1986 في قائمة التراث العالمي كتراث إنساني.

وتشير الكثير من الدراسات التي اهتمت بالوقوف على المعمار اليمني في صنعاء القديمة إلى أن البنايات المشيدة داخل سور المدينة القديمة بقدمها وتخطيطها قد روعي فيها مواصفات هندسية وإيوائية وجمالية تفوق ما وصلت إليه الهندسة المعمارية الحديثة والبعد الجمالي لم يراع فقط داخل البيت وخارجه .

بل وفي المحيط الجغرافي للحي فقد كان لكل حي من أحياء صنعاء القديمة بستان خاص به يرتاده سكان الحي وزائروه ويتنزهون به فضلا عن تأمينه للخضراوات المنزلية حيث قدر عدد البساتين داخل المدينة القديمة باثني عشر بستانا أضفت على المدينة جمالا لا يضاهى.

صنعاء ـ عبدالكريم سلام


Your ads will be inserted here by

Easy Ads.

Please go to the plugin admin page to set up your ad code.

Ytawasol

Leave a Reply

%d bloggers like this: